|
  • جنون التشابه في شيفرة دافنشي

    هل الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم، هو ما كتب في البدء؟

     

    جنون التشابه في شيفرة دافنشي

    أتذكّر أنّي قرأت سنة 1988 عن ديانة قديمة أعتق من المسيحيّة يظهر فيها الإله الوثني على أنّه صلب بين لصّين، وكُلّل بإكليل من شوك وهو على الصليب، ونظر إليه أتباعه على أنّه الراعي الصالح ومخلّص العالم ومن ثمّ قام من القبر بعد ثلاثة أياّم. وقد صعقت لهذه القصّة. فالتفاصيل تبدو متشابهة لدرجة تصعب معها فكرة المصادفة. فهل يعقل أن تكون المسيحيّة قد اقتبست من ديانة أخرى؟ يدّعي براون في شيفرة دافنشي بأنّ المسيحيّة استعارت من الديانات الوثنيّة بشكل كبير.

    لا شيء في المسيحيّة أصيل. فالإله ميثراس الذي يرجع إلى ما قبل المسيح—المسمّى ابن الله وأيضاً نور العالم—ولد في 25 ديسمبر، ومات ودفن في قبر من صخر ومن ثمّ قام في اليوم الثالث.[ii]

    "وحتّى يوم العطلة الأسبوعيّة الدينيّة في المسيحيّة كان قد سرق من الوثنيّين… في البداية،" [قال لانغدون]، "كان المسيحيّون يتعبّدون للربّ في نفس يوم اليهود شبّاط أو السبت، لكن قسطنطين غيّره ليتوافق مع اليوم الذي يقوم فيه الوثنيّون بعبادة الشمس." صمت قليلاً وابتسم. "حتّى هذا اليوم يرتاد معظم الناس الكنيسة صباح كل أحد لحضور القدّاس دون أن تكون لديهم أي فكرة أنّهم هناك يو احتفال الوثنيّين بالشمس المقدّسة Sunday أو يوم الشمس."[iii]

    هل في ادّعاء براون هذا أيّ شيء من الصحّة؟ هل استعارت المسيحيّة من الديانات الأخرى؟ دعونا نلقي نظرة على ذلك.

    في سنة 1988 اكتشفت بعد مراجعة الأمر أنّه يوجد في الديانات الأخرى تقارير عن موت الآلهة وقيامتها، والتي يشابه بعض منها السجلاّت المسيحيّة كثيراً. لكن المثير للاهتمام هو أنّ كلاً من تلك القصص الوثنيّة يأتي بعد زمن يسوع بحوالي 100 سنة على الأقلّ! ومع أنّ بعض الديانات التي يظهر فيها حدث موت الإله وقيامته سابق لعصر يسوع إلاّ أنّ القصّة التي تتحدّث عن موت الإله وقيامته هي لاحقة لزمن المسيح. لذا يبدو بأنّ تلك الديانات تأثّرت هي بالمسيحيّة عوضاً عن أن يكون العكس هو الصحيح. وأفضل مثال على ذلك هو ما يذكره براون بشأن ميثراس. فديانة ميثراس سابقة لزمن المسيحيّة. لكن التفاصيل التي يذكرها براون غير موجودة في التقارير الأولى لميثراس. وليس على حدّ علمي من وجود لأي نصّ، ولا حتّى المتأخر منه، يفيد بأنّ ميثراس مات ودفن في قبر من حجر وقام لاحقاً في اليوم الثالث.

    إنّ ت. ن. د. ميتينغر عالم سويدي كتب ما يمكن اعتباره أحدث بحث أكاديمي لموت الآلهة وقيامتها في الأزمنة القديمة. وهو يصرّح بأنّ الإجماع في الرأي هو أنّ جميع النصوص التي تحوي تلك القصص لاحقة لزمن المسيحيّة وأنّ البعض ممّن يظنّون خلاف ذلك هم "جنس شبه منقرض."[iv] ومع أنّ ميتينغر نفسه يقرّ بأنّه يعارض رأي الغالبيّة الساحقة عندما يقبل بوجود نحو خمسة نصوص عن موت الآلهة وقيامتها ترجع إلى ما قبل المسيح، إلاّ أنّه يعترف أيضاً بأنّ اثنين من أصل الخمسة مشكوك فيهما. ومن ضمن الثلاثة المتبقية، هناك نصّ واحد يصرّح بأنّ الإله قام من الموت لكنّه لم يُرَ من قبل أي واحد بمن فيهم الآلهة، بينما الآخر يظهر في تقرير غير واضح. وبحسب ميتينغر، هناك نصّ واحد واضح فقط يفيد بموت الإله وقيامته يرجع إلى ما قبل المسيحيّة. لكنّه يضيف بأنّ الأحداث الموصوفة في هذا النصّ تختلف تماماً عن القصّة المسيحيّة حتّى إنّه لا وجود لأي تشابه بين الاثنين يذكر.

    بالإيجاز، يمكننا القول بأنّ إجماع العلماء اليوم هو أنّه لا وجود لأيّ قصّة عن موت الآلهة وقيامتها سابقة لزمن المسيحيّة. كما أنّ أحدث بحث للموضوع هو لعالم يخالف رأي الغالبيّة لكنّه لا يجد أي ّ تشابه بين النصّ الوثني السابق وقيامة يسوع اللاحقة. لكن ماذا نقول بشأن يوم العبادة المسيحيّة، أي يوم الأحد (Sunday)؟ هل جرى التغيير من يوم السبت اليهودي إلى يوم العبادة المسيحي نهار الأحد نتيجة لمساعي قسطنطين؟ إنّ هذا لضرب من المستحيل. فقسطنطين عاش في القرن الرابع الميلادي في حين أنّ عبادة المسيحيّين يوم الأحد بدأت قبل ذلك بزمان كثير. فمثلاً، يذكر الرسول بولس حوالي سنة 55 ميلادي أنّ اجتماع المسيحيّين كان يتمّ "أوّل الأسبوع" (1 كور 15: 2). ويتحدّث لوقا أيضاً عن ممارسة مشابهة بعد ذلك الزمن بسنين قليلة (أعمال 20: 7). وقد كُتبت هذه النصوص قبل مولد قسطنطين بأكثر من 200 عام!

    إنّ أخطاء براون التاريخيّة مثيرة للدهشة. وهذا واضح للعلماء بشكل جعل حتّى عالم العهد الجديد الملحد بارت إيهرمان يصرّح: [إنّ براون] هو كاتب قصصي، وليس عالماً بالتاريخ... حتّى ولو كان يدّعي بأن "وصفه... للوثائق ... دقيق،" إلاّ أنّه في الحقيقة ليس كذلك.[v]

    إنّ بعضاً من ادّعاءات براون أسهل على الشخص العلماني دحضها من بعضها الآخر. ومع أنّ مجابهته الادّعاء الحالي تبدو صعبة بدون الانخراط بدراسة أكثر تعمّقاً، إلاّ أنّنا وفّرنا في ما سبق بعض الحجج لمساعدتكم. لكن لنتذكّر أنّ مسؤوليّة الإتيان بالحجج الداعمة تقع على عاتق زملائكم الذين يوافقون على الادّعاء. وهكذا فإنّ كلّ من يدّعي بأنّ المسيحيّة استعارت عقائدها الأساسيّة من الديانات الوثنيّة في ذلك العصر عليه أن يتحمّل مسؤوليّة توفير الأدلّة الداعمة، وليس فقط كما فعل براون، لكن يجب أن يأتي بالكتابات القديمة السابقة للمسيحيّة التي تدلّ قطعاً على استنتاج من مثل ذلك. اطلب هذه المراجع من صديقك وتشجّع. إنّها غير موجودة!  

    هل الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم، هو ما كتب في البدء؟

      بقلم مايك ليكونا

    صرّح تيبنغ وهو أحد الأشخاص البارزين في كتاب شيفرة دافنشي بما يلي، "إنّ الإنجيل [الكتاب المقدّس في الأصل الإنكليزي] هو كتاب من تأليف بشر، يا عزيزتي. وليس بوحي من الإله. وهو لم يهبط بشكل خارق من الغيوم في السماء. فهو من ابتكار الإنسان الذي ألّفه لتسجيل الأحداث التاريخيّة في تلك العصور التي طبعتها النزاعات والفتن، وقد تطوّر وتحرّف من خلال ترجمات وإضافات ومراجعات لا تعد ولا تحصى. والنتيجة هي أنّه لا توجد نسخة محدّدة للكتاب في التاريخ كلّه."[vi]

    يتحتّم علينا بعد قراءة تصريح تيبنغ هذا طرح سؤالين اثنين: هل إنّ الكتاب المقدّس الذي بين أيدينا اليوم هو ما كُتب بالأصل، وكيف تمّ انتخاب مجموعة الكتابات المسيحيّة السلطويّة اليوم التي نسمّيها العهد الجديد؟ سنحصر اهتمامنا في مقالنا هذا بالشق الأوّل من السؤال. وسننظر غدا في الشق الثاني منه.

    لا شكّ أنّ جميعنا شارك في لعبة التلفون. ففي تلك اللعبة، يهمس الأستاذ رسالة ما في أذن ثلاثة أشخاص في الصف الأوّل من المقاعد، ويهمس كلّ منهم بدوره الأمر ذاته في أذن الشخص الجالس خلفه، وهو يقوم بدوره بالهمس لمن يجلس خلفه. وعندما تصل الرسالة إلى آخر شخص في الغرفة يكون محتواها قد تغيّر بشكل كبير مقارنة مع ما همسه الأستاذ في البداية للجالسين في المقعد الأوّل. وقد يقول المشكّك، "إذا كان اختلاف كهذا ممكن الحصول خلال فترة خمس دقائق في غرفة واحدة، فكم من التحريف يمكن أن يكون قد حصل في القصص الكتابيّة التي عبرت قارّات وبدّلت لغات على مدى ألفي عام؟"

    ومع أنّ السؤال المطروح هذا سؤال هامّ، لكنّه لا يمكن أن يقوم. فلنفترض بأن الأستاذ سأل التلاميذ الثلاثة الذين همس لهم الرسالة في البداية أن يخرجوا من الغرفة معه ثمّ طلب من أحد زملائه الأساتذة أن يدخل إلى الصفّ ويحاول استنباط الرسالة الأساسيّة. فما هي الطريقة التي سيتّبعها الأستاذ الزميل؟ على الأرجح أوّل ما سيفعله هو أنّه سيسأل الطلاب في الصف الثاني ما الذي قيل لهم. وهذا بالطبع أمر هام لأنّهم الأقرب إلى المصدر الأساسي والأوفر حظّاً أن يكونوا على صواب في ما سمعوه. أمّا الخطوة الثانية فهي أن يقارن الأستاذ أقوال الطلاب الأولين مع ما سمعه من الآخرين في المقاعد اللاحقة في محاولة منه لاستقصاء الأخطاء الممكن أن تكون قد جرت أثناء عمليّة النقل. هناك احتمال كبير أن يستطيع الأستاذ الثاني بعد قليل من الجهد أن يعيد تركيب التصريح الأوّلي الذي همسه الأستاذ الأوّل في البداية بدقّة مدهشة.

    إنّ إعادة تركيب الكتابات الأصليّة لكاتب قديم يتبع النمط نفسه. فكلّما اقتربنا من الأصل كلّما كان أفضل لنا. وكلّما كان عدد المخطوطات المتوافرة أكبر كلّما كانت الدقّة في استعادة الأصل أكبر. يشعر المؤرّخون بنوع من الاطمئنان اليوم لكتابات هيرودوتس وثوثيديدس اللذين كتبا في القرن الخامس قبل الميلاد ويعتبران اثنين من أثمن المصادر القديمة لدينا. وينتج هذا الاطمئنان عن أنّنا نملك ثمانية مخطوطات لكلّ من هذين الكاتبين. وفي كلا الحالين، فإنّ أقدم مخطوط يرجع إلى 1300 سنة بعد الكتابة الأصليّة. لكن بالمقابل فإنّ للعهد الجديد ما مجموعه 5745 مخطوطاً يونانياً (بإحصاء 9\ 2005)، وأكثر من 10 آلاف مخطوط لاتيني، وآلاف المخطوطات لترجمات العهد الجديد الأولى، هذا بالإضافة إلى أكثر من مليون اقتباس للعهد الجديد موجود في كتابات آباء الكنيسة. علاوة على ذلك فإنّ أقدم المخطوطات ترجع في التاريخ إلى عقود قليلة بعد كتابة الأصل. وفي الواقع لدينا على الأقل تسعة مخطوطات لكتابات العهد الجديد ترجع إلى أوّل 150 سنة بعد كتابة الأصل. وهكذا نرى أنّ كتابات العهد الجديد تتمتّع بأفضل دعم من المخطوطات على الأطلاق بين الكتابات القديمة.

    لكن بالطبع مع كثرة المخطوطات تبرز قراءات مختلفة، خاصّة عندما يقتبس كثيرون من آباء الكنيسة الأقوال بتصرّف أو عندما يحاولون الاعتماد على الذاكرة لاسترجاع آية ما. وتندرج تلك القراءات المختلفة في أربعة أصناف. يحتوي الصنف الأوّل على أخطاء في اللّفظ أوالنطق ترجع لظروف معيّنة كتعب الكاتب الذي ينقل النص على نور الشمعة. ويندرج حوالي 70 بالمئة من الاختلافات في النصّ تحت هذا الصنف. أمّا الصنف الثاني والأكثر شيوعاُ فيحتوي على مرادفات تحمل نفس المعنى. فمثلاً عوضا عن القول "يسوع المسيح" تقول بعض النصوص "المسيح يسوع." أمّا الصنف الثالث فيتضمّن تغييرات في النصّ تؤثّر على المعنى لكنّها غير موجودة في المخطوطات الأكثر اعتماداً ومصداقيّة. أمّا الصنف الرابع من الاختلافات وهو الأقل شيوعاً على الإطلاق فيتضمّن تغييرات تؤثّر على المعنى وموجودة في النصوص الأكثر اعتماداً. ولا يشكّل هذا الصنف الرابع من التغييرات أكثر من واحد بالمئة من الاختلافات على أكبر تقدير، كما يندر أن تتأثر به أية عقيدة من العقائد المسيحيّة. لكن حتّى في تلك الحالات القليلة يكون بمقدور العلماء مقارنة القراءة المختلفة مع غيرها في مخطوطات موثوقة أخرى والخروج بنص قريب جداً إلى الأصل بعد تطبيق بعض المبادئ في علم مقارنة النصوص للرجوع إلى القراءة الأصليّة. وفي بعض الأحيان يبقى الأمر معلّقاً. لكن لنتذكّر دائماً أنّ هذه حالات نادرة ومن المشكوك فيه أن يؤثّر أي من تلك القراءات المختلفة على العقيدة أو الممارسة المسيحيّة.[vii]

    في الختام يجب القول إنّ الكثيرين من العلماء المشكّكين في عصرنا الحالي يوافقون على أنّ نصّ العهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم هو نسخة عن الأصل بنسبة 99 بالمئة أو أكثر. يبقى 1 بالمئة من النصّ عرضة للسؤال لكن من المشكوك فيه أن يكون لاختلافه أي تأثير على العقيدة أو الممارسة المسيحيّة. لذلك فإنّ بمقدور المسيحي اليوم الحصول على الثقة الكاملة بأنّ العهد الجديد الذي يقرأه ويجلّه هو جدير بالثقة اليوم تماماً كما كان في القرن الأوّل الميلادي.


    [i]  شيفرة دافنشي، ص 245-246.

    [ii]  شيفرة دافنشي، ص 260-261.

    [iii]  شيفرة دافنشي، ص 261.

    [iv]  تريغفيه ن. د. ميتينغر. لغز القيامة: "موت الآلهة وقيامتها" في ديانات الشرق الأدنى القديم (The Riddle of Resurrection: “Dying and Rising Gods” in the Ancient Near East) استوكهولم: ألمفكيست و ويكسل انترناسيونال، 2001، 7.

    [v]  بارت ايهرمان، الحق والخيال في شيفرة دافنشي (Truth and Fiction in the Da Vinci Code) أكسفورد، 2004، 189-190.

    [vi]  شيفرة دافنشي، ص 259.

    [vii]  هذا اختصار لبعض استنتاجات دانيال والاس في الكتاب الجديد المكتوب من قبل كوموسزفسكي وسوير ووالاس تحت عنوان، إعادة اختراع يسوع (Reinventing Jesus) نشر كريغل، 2006. أنصح بهذا الكتاب بشدة.